الخطيب البغدادي
120
تاريخ بغداد
فقال لي أحب أن تساعدني إلى سوق الدواب . فتوجهنا نقصدها فزحمه حمار عليه راكب فأنشأ يقول : يا خالق الليل والنهار * صبرا على الذل والصغار كم من جواد بلا حمار * ومن حمار على حمار ذكر محمد بن محمد السنجي الكاتب أن أباه حدثه . قال : كان الوزير أبو محمد المهلبي تقدم إلى القاضي بن قريعة أن يشرف على البناء في داره ، وأمر بأن لا يطلق بشئ من النفقة إلا بتوقيع القاضي . قال : وكان يوما جالسا مع جماعة في دار المهلبي بقرب الموضع الذي كان القاضي يجلس فيه . فحضر رجل من العامة فوقف بين يديه ودعا له ، وادعى أن له ثمن ثلاثين بيضة أخذها منه الوكيل لتزويق السقوف ولم يعطه ثمنها . فقال له : بين عافاك الله دعواك ، وأفصح عن نجواك ، فمن البيض نعامي ، وبطي ، وهندي ، ونبطي ، وحمامي ، وعصافيري ، حتى أن السمك يبيض ، والدود يبيض ، فمن أي أجناسه لك ؟ فقال الرجل : أنا لا أبيع بيض النعام لتزويق السقوف ، لي ثمن ثلاثين بيضة من بيض الدجاج النبطي . فقال : الآن حصحص الحق ، ما كنيتك ؟ فقال : أنا عمر أبو حفص . فقال لكاتب البناء : اكتب بورك فيك إلى الوكيل محمد بن عاصم : حضرنا - تولاك الله - أبو حفص عمر البيضي ، فذكر أن له ثمن ثلاثين بيضة دجاجيا ، لا بطيا ولا هنديا أخذت على شرك الإنصاف منه ، ثم أخذ ثمنها عنه ، فارجع أكرمك الله إلى موجب كتابك ، وما أثبته باسم عمر هذا حسابك ، فإن كان صادقا فله ما للصادقين من البر والإكرام وإعطاء الثمن على الوفاء والتمام ، وإن كان كاذبا فعليه ما على الكاذبين من اللعن والزجر ، وقل له موبخا : باعدك الله من حريمه ، ما أقل وقارك لشيبك وحسبك . وصل على نبيك ، وادفع التوقيع إليه . قال : فلما أخذه الرجل وضعه في جيبه وقال : ثمن البيض على أربعة دوانيق ، وأنا والله لا أبيع هذه الرقعة بدرهمين . ومضى حدثني أبو أحمد الماسح . قال : كانت الحسبة ببغداد إلى ابن قريعة ، فوافاه أبو عبد الله الزبيري الدعاء للسلطان في المواكب ، فشكى إليه [ خياط سلمة ] جبة خز ليفصلها فسرق منها خرقة كبيرة وهر بها عليه ، فكتب ابن قريعة إلى خليفته بباب الشام رقعة نسختها : بسم الله الرحمن الرحيم ، أنا